الرد على أجنبية مصدر التصوف (4)
د. يوسف زهرانادعاء أن المصدر الفلسفة اليونانية
رابعًا: القائلون بأن الفلسفة اليونانية هي مصدر التصوف:
ومن القائلين بهذا الرأي: المستشرق ألفرد فون كريمر، إذ يقول: اكتسبت الفلسفة الأفلاطونية الحديثة أتباعًا من العرب، ومنها قامت بينهم مدرسة فلسفية خاصة، أُهملت حتى الآن، ولكن لا يمكن إهمالها هنا لأنها بإدخالها أفكارًا دينية أجنبية في نظامها، أسهمت إلى حد بعيد في تكوين آخر شكل اتخذه الإسلام، بتأثير مذهب التصوف، وتعرف هذه المدرسة الأفلاطونية بين الشرقيين باسم "الإشراقية" وأشهر أبطالها هو السهروردي، وقد نسج من مبادئ الأفلاطونية الحديثة مستعينًا بنظرية النور، أو التألق، وهي من مبادئ المجوسية، أو على ما يُحتمل من مبادئ المانوية فكرة عالمية مبتكرة خيالية.
والمستشرق آدم مينز، الذي يقول: إن التصوف تأثر بالفلسفة الأفلاطونية، وأخذ مذهب الملامتية عنها، فيقول: كان أبو صالح حمدون بن عمارة القصار النيسابوري -شيخ أهل الْمَلَامَة بنيسابور، وكَانَ عَالما فَقِيها، له طَريقَة اخْتصَّ بها، أسْندَ الحَدِيث، توفّي بنيسابور سنة 271ه- أولَّ مَن سلك طريق الملامة، ومنه انتشر مذهب الملامتية بنيسابور، على أن مذهب الملامتية ليس بجديد، فقد وصف أفلاطون في أول الكتاب الثاني من الجمهورية؛ حال العادل الحق، الذي يُظَن به أنه ليس عادلًا، وبهذا يُرجع "منز" مذهب الملامتية إلى الفلسفة الأفلاطونية.
والمستشرق جولد تسيهر، وقد قسم التصوف إلى مرحلتين، في المرحلة الأولى تأثر بالرهبانية المسيحية، وفي المرحلة الثانية تأثر بالأفلاطونية الحديثة.
ويجزم جولد تسيهر بأن التصوف الإسلامي ليس له أساس في القرآن، وأنه نابع من الأفلاطونية الحديثة، كما يقول تسيهر: إن التفسير الإشاري مأخوذ عن الأفلاطونية، فيقول: الأصل في افتراض إمكان التفسير عن طريق الرمز، والإشارة، يرجع إلى أروقة أفلاطون الإلهي، وإلى مذهبه المثالي.
والمستشرق ماسينيون، الذي يقول: إن مصدر التصوف الإسلامي يرجع إلى الفلسفة اليونانية، وحكمائها.
والمستشرق رينولد نيكلسون الذي قال: إن ذا النون المصري قد ثأثر بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة، وأخذ عنها، كما يقول نيكلسون: إن الصوفية اقتبسوا مصطلحات فلسفية عنها مثل "الرمز" في الحب الإلهي.
ويخرج نيكلسون بعدة نتائج، ملخصها: أن التصوف استقى مصدره من اليونانية، والفارسية، والهندية، فيقول: كان العنصر الثيوسوفي "المتصل بالمعرفة" في التصوف الإسلامي يونانيًّا، وكانت الأفكار المتطرفة مثل وَحدة الوجود فارسية هندية، وفكرة الفناء ترجع لمذهب النرفانا البوذية.
والمستشرق جوستاف فون جرونيباوم: الذي يقول: كان الصوفية لا ينسبون الحقيقة إلا إلى الله وحده، مستندين في ذلك إلى أفكار الفلسفة الأفلاطونية الحديثة.
تحليل نظرية الفلسفة اليونانية:
من القضايا التي دار حولها المستشرقـــون، قضية المصدر اليوناني، بما فيه من فلسفـــات، وقد حاولـوا إثبات أن التصوف مأخـــــــوذ عنها؛ لتكــــــرر مصطلحات عــــن الفلسفـــــة اليـــــونانيــــــة استخدمها الصـوفية؛ مثــــــل : "الكلمــــــة" و"العــلـــة" و"العقل الأول".
وقد تأثر المسلمون بالفلسفة اليونانية، بحكم كونها ثقافة جديدة، أحبوا أن يستفيدوا منها، كما استفادوا من غيرها، وذلك في عصر الترجمة "بدايات القرن الثالث" والحقيقة: أن الفلاسفة المسلمين تأثروا بالفلسفة اليونانية أكثر مما تأثر بها الصوفية؛ وعليه فلا نستطيع أن نقول إن التصوف مأخوذ عن الفلسفة اليونانية.
والتصوف لم ينشأ على أساس الفلسفة اليونانية، ولم يتفاعل المسلمون مع الفلسفة اليونانية إلا بعد عصر الترجمة، أي في وقت متأخر، بعد أن كان التصوف قد تأصل سلوكًا وعلمًا، وعليه: فإننا وكما يقول د/محمد مصطفى حلمي، ود/محمد عبدالفتاح: نستبعد هذه النظرية؛ لأن الثابت تاريخيًّا، أنه لم يتم التفاعل بين الأفكار اليونانية، والأفكار الإسلامية إلا بعد عصر الترجمة، أي بعد أن قطع التصوف الإسلامي مرحلة كبيرة في نشأته، وتطوره، وعلى ذلك فقد سلم التصوف الإسلامي من التأثر بالأفكار اليونانية في طور نشأته الأولى، كذلك لم يثبت أن الكتب المنحولة على ديونيسيوس الأريوباغي -قس مسيحي، تعلم في أثينا الفلسفة والحكمة، لقب بمعلم الكنيسة الجامعة، وله التأثير الفعال في تدعيم الفكر المسيحي بالآراء الأفلاطونية، مات سنة 264م في الإسكندرية- قد أثرت في التصوف الإسلامي أولًا؛ لأنها لم تترجم إلا بعد القرن السادس الهجري، ولا نجد من ناحية أخرى ذكرًا له في كتاب إسلامي في التصوف، وفي غير التصوف، وبهذا نتأكد من زيف هذه النظرية، وبطلانها، ويتضح لنا أن التصوف إسلامي الأصل، والمصدر.
وهكذا: يتبين لنا أن القول بأن الفلسفات اليونانية هي مصدر التصوف الإسلامي، قول خاطئ؛ إذ إن المسلمين لم يعرفوا هذه الفلسفات، ولم يطلعوا عليها إلا في عصر الترجمة "بدايات القرن الثالث" ، وقد عرفها الفلاسفة المسلمون، وليس الصوفية، وحتى تنتشر ويتأثر الصوفية في كل بقاع العالم الإسلامي بها تحتاج إلى وقت طويل، والتصوف قديم على ذلك، قد بدأ مع بداية الرسالة الإسلامية، كما أن كتب (ديونسيوس الأريوباغي) لم تترجم إلا في القرن السادس، ولم يرد ذكره ولا ذكر غيره من فلاسفة اليونان في كتب الصوفية. يتبع .
المراجع:
الحضارة الإسلامية ومدى تأثرها بالمؤثرات الأجنبية، فون كريمر، تعريب: د/ مصطفى طه بدر.
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم منز، ترجمة/ محمد عبدالهادي أبو ريدة.
مذاهب التفسير الإسلامي، إيجناس جولد تسيهر، ترجمة: عبدالحليم النجار.
العقيدة والشريعة في الإسلام، إيجناس جولد تسيهر، ترجمة د/ محمد يوسف موسى، علي حسن عبدالقادر، عبدالعزيز عبدالحق.
دائرة المعارف الإسلامية (التصوف) لويس ماسينيون، د/مصطفى عبدالرازق، ترجمة إبراهيم خورشيد.
في التصوف الإسلامي وتاريخه، رينولد ألين نيكلسون، ترجمة د/ أبو العلا عفيفي.
حضارة الإسلام، جوستاف فون جرونيباوم.
أضواء على التصوف د/ طلعت غنام.
الحياة الروحية في الإسلام د/ محمد مصطفى حلمي.
التصوف بين الغزالي وابن تيمية د/ عبدالفتاح محمد.