السنة الخامسة - ذو الحجة 1447 هـ - مايو 2026 م


د. يوسف زهران
الرد على أجنبية مصدر التصوف (5)
د. يوسف زهران

هذه المقالات مأخوذة من رسالة الدكتوراه للباحث في الموضوع نفسه

خامساً: القائلون بالمصدر الشيعي:

من القائلين بهذا الرأي المستشرق لويس ماسينيون، حيث يقول: إن التصوف شيعي النشأة، وقد ورد لفظ "الصوفي" لقباً مفرداً لأول مرة في التاريخ، في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، إذ نُعت به "جابر بن حيان" (توفي سنة 160ه) وهو صاحب كيمياء شيعي، من أهل الكوفة، له في الزهد مذهب خاص، و"أبو هاشم الكوفي" (توفي سنة 155ه) المتصوف المشهور، أما صيغة الجمع "الصوفية" التي ظهرت عام 199هـ (814م) كانت تدل على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي، يكاد يكون شيعياً، نشأ في الكوفة، وكان "عبْدك" الصوفي آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين، وتوفي ببغداد حوالي عام 210هـ (يقول السمعاني: كان عبدك مقدم الشيعة).

كما يقول "ماسينيون" بوجود تشابه بين التصوف والتشيع، في القول بالقطب، ونسبة الخرقة إلى الإمام عليّ رضي الله عنه.

والمستشرق رينولد ألين نيكلسون الذي يقول: إن الصوفية أخذوا عن الشيعة "تعظيم الشيخ" حيث يعلق على قول أبي يزيد البسطامي: "من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان" قائلاً: إن هذه فكرة يظهر أن لها صلة بالنظرية الشيعية، التي كان عبدالله بن سبأ أول مَن قال بها، وهي: "أن الشيعة تعتبر تكريم الله في تكريم الإنسان".

تحليل نظرية المصدر الشيعي:

من الطبيعي أن يكون هناك تشابه بين التصوف والتشيع، أو حتى بين التشيع وأي مسلك أو مذهب إسلامي آخر، إذ إن الاثنين في النهاية من الإسلام، ووجود تشابه لا يعني أن الصوفية قد أخذوا مذهبهم عن الشيعة، إذ الفروق بين الصوفية والشيعة كثيرة جداً، فالصوفية أهل سنة يؤمنون بالقرآن والسنة، ويجمعون بين حب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم جميعاً، يقول د/عامر النجار: يدعي بعض الباحثين أن هناك التقاءً في كثير من الأقطار بين التشيع والتصوف، إذ الدين لدى الفريقين طاعة رجل، فالمرجع في أحكام الدين لدى الشيعة هو الإمام، كما أن من لم يكن له شيخ -على حد تعبير البسطامي- فشيخه الشيطان، ومصدر العلم لدُنِّي أو إلهي لدى الفريقين، وقد أثبت الشيعة العصمة لأئمتهم، كما أثبت الصوفية الحفظ لشيوخهم، "ونفوا العصمة عنهم" ثم يقال إن الصوفية أخذوا عن الشيعة فكرة الباطنية، وأركانها من الغوث، والأوتاد، والأبدال، والنجباء، ولأجل هذه الأمور قالوا بالمصدر الشيعي.

والصوفية والشيعة، قد تتوارد أفكارهم، وأفكار غيرهم في نفس المبدأ، فالظروف الاجتماعية، والسياسية التي تعرضت لها أقطار العالم الإسلامي واحدة، وطبيعي أن تؤدي لنفس النتائج، مع الفرق بين الصوفية والشيعة، وتوارد الأفكار أَوْهَمَ وجود صلة بين التشيع والتصوف.

واشتراك الاثنين في نفس الأفكار؛ لا يرقى إلى جعل التشيع مصدرًا للتصوف، وكما يقول د/عامر النجار: إن التأثيرات الشيعية ضعيفة في التصوف، وهذه التأثيرات الشيعية الضعيفة في التصوف، مبعثها أن كل مشايخ الطرق الصوفية، ينتهي نسبهم إلى الإمام علي رضي الله عنه عدا الطريقة النقشبندية، وإذا كان حُب الإمام عليّ رضي الله عنه يُسهل عند البعض إبراز آثار شيعية في الفكر الصوفي؛ فإن المسلمين جميعاً يشاركون الشيعة في حبهم الإمامَ علياً رضي الله عنه وآل البيت جميعاً؛ فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين الإمام عليّ رضي الله عنه، ثم إن عليًّا رضي الله عنه زوْج ابنته البتول السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ووالد الحسن والحسين رضي الله عنهما. إن المسلمين سنة وشيعة يتشاركون في حبهم العظيم للإمام علي رضي الله عنه، وكون الصوفية يجعلون رأس سندهم، وقمة سلسلتهم الإمام علياً رضي الله عنه كما يفعل الشيعة، لا يجعلنا نغالي في الأمر، فنتَّهِم الصوفية بأنهم أخذوا نظامهم في التصوف عن التشيع.

إذاً: فالقول بأن التشيع مصدرٌ للتصوف تهمة باطلة، ولعل مبعث هذه التهمة كما يجزم د/عامر النجار: هو تأكيد أصحاب الطرق المستمر على نسبهم العلوي، وأخذهم الخرقة عن الإمام عليّ رضي الله عنه وحبهم لابنيه سبطي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وينبغي ألا ننسى أن المسلمين؛ سنة، وشيعة، يشتركون في هذا الجانب العظيم لآل البيت الكريم رضي الله عنهم قال تعالى:﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [من الآية رقم 23من سورة الشورى] إن روح الموضوعية العلمية، تقتضي منا ألا نكون مغالين في أحكامنا، أو متحاملين، أو متعاطفين، بل نقولها كلمة نبغي بها وجه الله تعالى: إن ما بين التشيع والتصوف، لا يتعدى أن يكون وجود بعض العناصر المشتركة، التي تظهر في فكر الطائفتين، وهذا لا يجعلنا نقول بتشيع التصوف.

وهكذا: يتبين لنا خطأ هذه النظرية، التي بناها المستشرقون على وجود مبادئ مشتركة، وطبيعي أن تكون هناك أمور مشتركة بين الاثنين، إذ هما من الإسلام، وكل المسلمين يحبون آل البيت، أما مسألة الشيخ والمريد، فهي من أركان العلم بجميع أنواعه، وتوجد عند غير المسلمين كما توجد عند المسلمين، وليس عند الصوفية والشيعة فقط. يتبع.

المراجع:

الأنساب، المؤلف: عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، أبو سعد.

دائرة المعارف الإسلامية (التصوف) تأليف: لويس ماسينيون، د/مصطفى عبدالرازق، ترجمة: إبراهيم خورشيد، د/عبدالحميد يونس، حسن عثمان.

في التصوف الإسلامي وتاريخه، رينولد ألين نيكلسون، ترجمة د/ أبو العلا عفيفي.

الطرق الصوفية في مصر "نشأتها، ونظمها، وروادها: الرفاعي، والجيلاني، والبدوي، والشاذلي، والدسوقي" تأليف د/عامر النجار .