الروضة الزكية في بعض الأوصاف والخصائص المحمدية (10)
د. حسن عباس زكيما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنما كان شيءٌ في صدغَيه، ولكن أبا بكر رضي الله عنه خضب بالحناء والكتم
البيان
يسأل قتادة أنس بن مالك. هل خضب أى هل صبغ رسول الله صلى الله عليه وسلم شعَره؟ فقال له: لم يبلغ شيبُه مبلغًا يحتاج إلى خضاب، وإنما كان شيبه قليلًا في صدغيه والصدغ ما بين العين والأذن ويسمى الشعر النابت عليه صدغاً أيضاً.
وقد جاء فى صحيح البخارى: أن الشعر الأبيض كان في عنفقة. وهي ما بين الذقن والشفة السفلى
ومراد أنس أنه لم يكن فى شعره ما يحتاج إلى خضاب، وقيل ما عد في رأسه ولحيته صلى اللّه عليه وسلم إلا أربع عشرة شعرة بيضاء
ثم قال أنس: وخضب أبو بكر بالحناء والكتم: قيل هو ورق يشبه ورق الآس يصبغ به، وفى الصحاح (الكتم) نبت يخلط مع الوسمة للخضاب، والمكتومة: دهن للعرب أحمر ويجعل فيه الزعفران. وعن ثابت عن أنس، قال: ما عددت في رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء.
سئل جابر بن سمرة عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيب، فإذا لم يدهن رئى منه
البيان
إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا دهن لم ير منه شيب لالتباس بياضه بلمعان الشعر من الدهن، أو لأنه كان عند الدهان يجمعٍ شعر رأسه أي يضم بعضه إلى بعض، وكانت الشعرات البيضاء لقلتها لا تظهر، فإذا شعث أي تفرق شعر رأسه ظهرت.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت.
البيان
شيبتنى: أي أضعفتني ووهنت عظامى وأركاني، لما أوقعتنى فى الهموم. وأكثرت أحزانى، هذا لأن هذه السور وأمثالها تدل على أحوال القيامة وأهوالها، وإسناد الفعل إلى هذه السور مجازى، لأن اللّه تعالى هو المؤثر الحقيقي
والمراد: أن اهتمام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما فى هذه السور من أهوال القيامة وما نزل بالأمم السابقة، أخذ منه مأخذه، حتى شاب قبل أوانه خوفاً على أمته، وقيل: إن آية: "فاستقم كما أُمرت" هى المقصودة من سورة هود؛ ولذا قيل: الاستقامة خير من ألف كرامة. أما الاستقامة في سورة الشورى فمختصة به ولا شك أن المراد بها الثبات والمداومة بخلاف ما هو فى هود؛ فإن فيها أمراً للأمة بها أيضاً، وقد علم ضعفهم عن القيام بها، كما يشير إليه حديث: استقيموا ولن تحصوا؛ فلأجل الاهتمام بحالهم، وملاحظة عاقبة أمرهم ومآلهم، صار الرسول صلى اللّه عليه وسلم معتكفاً فى زاوية الهم والغم، فظهر على صفحات وجهه أثر الضعف والألم ولكن لما كان عنده صلى اللّه عليه وسلم من شرح الصدر، وتزاحم أنوار اليقين على قلبه ما يسليه لم يستول ذلك الهم إلا على قدر يسير من شعره الشريف ليكون فيه مظهر الجلال والجمال، ويستبين أن جماله غالب على جلاله. وقيل: إنه قدم سورة هود على أخواتها؛ لأن فى هود أمره تعالى بالثبات في موقف الاستقامة، التى هى من أعلى المراتب، ولا يستطيع الترقى إلى ذروة سنامها إلا من شرفه اللّه تعالى بخلع السلامة. عن أبى جحفة قال: قالوا: يا رسول اللّه نراك قد شبت؛ قال: شيبتنى هود وأخواتها.
عن أبي رمثة التميمي قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّٰه عليه وسلم، ومعي ابن لى، قال: فأريته، فقلت لما رأيته: هذا نبي اللّه، وعليه ثوبان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر.
البيان
اصطحب أبو رمثة ابنه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رآه قال: هذا نبى اللّه، علم أنه نبى اللّه من نور جماله العلى، وظهور كماله الجلى، وكان عليه ثوبان أخضران إزار ورداء مصبوغان بالخضرة، وهذا لباس أهل الجنة ويحتمل أنهما كانا مخططين بخطوط خضر، رآه وله شعر قليل قد شمله الشيب، فلا ينافي ما مر من أن شيبه لم يبلغ عشرين شعرة، وكان يخالط شيبه حمرة فى أطراف تلك الشعرات، لأن العادة أول ما يشيب أصول الشعر وأن الشعر إذا قرب شيبه صار أحمر ثم أبيض، أو أن شيبه أبيض صبغ بحمرة، أى شيبه أحمر مصبوغ بالحناء.