السنة الخامسة جمادى الآخرة 1447 هـ - ديسمبر 2025 م


م. ولاء أبو جبل
التصوف والعلوم الطبيعية
م. ولاء أبو جبل

العـلوم عنـــد العــرب والمسلمــين

بدأت العلوم البحتة والتطبيقية عند العرب والمسلمين بحركة الترجمة التي نشطت في القرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي، واستمرت في الازدهار والعطاء حتى بداية القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي. ولم يكن العرب في ترجمتهم لتراث الأمم التي أخذوا عنها العلوم الطبيعية نَقَلَةً جامدين، لكنهم أضافوا إليها كثيرًا، وجعلوا ما توصل إليه غيرهم مقدمة أساسية لأبحاثهم. وقد أبدعوا في بعض العلوم. وكانت بواعث ذلك ما بثّه الدين الإسلامي من أفكار، وما أحدثه في نفوس معتنقيه من حب العلم والتأمّل في الكون، إضافة لتشجيع الحكام الذين أحبوا العلم وأكرموا العلماء على الإبداع. ثم إن الفتوحات الإسلامية كانت عامل التقاء بين الثقافة العربية وثقافات الشعوب التي دخلت الإسلام. كما أن حاجة العرب إلى علوم ليست عندهم جعلتهم يقبلون على الترجمة. وحيث إن العلم من توابع الاستقرار والحضارة، فما إن استقرت الدولة العربية الإسلامية وازدهرت سياسيًا واقتصاديًا حتى اتجهت النفوس إلى الحركة الفكرية؛ فتُرجمت الكتب الإغريقية والفارسية والسريانية والقبطية والكلدانية، ونُقلت ذخائرها في العلوم إلى العربية. وبلغت الترجمة أوجها في عهد المأمون (198ـ 218هـ، 813 ـ 833م) الذي كان يقبل الجزية كتبًا، ويدفع وزن ما يترجم ذهبًا.

كان بيت الحكمة في بغداد، والجامع الأموي في دمشق، والجامع الأزهر بمصر، وجامع القيروان في تونس، وجامع القرويين في المغرب، وجامع قرطبة في الأندلس، ، والجامع الكبير في صنعاء منارات للعلم يفد إليها الطلاب من كل مكان. وتخرج في هذه الصروح العلمية عدد كبير من العلماء تميزوا بغزارة الإنتاج في العلوم والفنون.

تنقسم العلوم التي اشتغل بها العرب إلى علوم أصيلة وعلوم محدثة؛

 فالأولى: نشأت في ظل دولة الإسلام وعلى أيدي العرب أنفسهم.

أما الثانية: فتلك التي نشأت خارج البيئة العربية، ثم دخلت في بلاد الإسلام وطوّرها العلماء.

عُني العرب بكل العلوم المحدثة من طب وصيدلة وكيمياء وفيزياء وعلوم رياضية وعلوم الأحياء وعلوم الأرض وفلك وجغرافيا. ولكي يطلع العرب على هذه العلوم كان طبيعياً أن ينقلوها من لغاتها الأصلية إلى لسانهم. وكان أول نقل قد تم في عهد خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85هـ،704م)، إلا أن حركة الترجمة لم تتسع إلا في العصر العباسي، ولا سيما في عصر المأمون. وقد أسهم المترجمون كثيرًا في تكوين المصطلح العلمي والفلسفي الذي لا يزال بعضه مستخدمًا حتى الآن.

التصوف والعلوم الطبيعية والبحتة

خلق الله تعالى في فطرة الإنسان ميلاً طبيعيًا إلى المعرفة، ورغبةً في الاطلاع، مع فضولٍ يدفعه إلى البحث؛ هذه الدوافع تطورت مع الإنسان طوال وجوده وتفاعله مع الحياة، فتطورت العلوم والمعارف، حتى صارت هذه العلوم بشُعَبِها وفروعها شبكةً ممتدةً تتلاقى خيوطُها في نقاطٍ مشتركة مع العلوم التي تنبع من أصل واحد، وتعتمد على حقائق واحدة رغم تباين طرق البحث، ورغم البون الشاسع بين ما هو فيزيائي، وما هو فلسفي أو ديني أو فني، لكنها في النهاية تصُبُّ في بوتقة التصوف إذا بُحثت بمنظور «الحكمة».

غاية خلق الله للإنسان، وأساليب تحقيق هذه الغاية قد فصَّلها الدين ويسَّرها، وعلوم الدين التي نشأت وتنامت في رحاب الدين إنما تطورت لأجل توضيح هذه الغاية، فغاية خلق الإنسان وغاية الدين هي العبادة، والعبادة في معناها الإسلامي الشامل تشمل واجبات المسلم تجاه ربه -عز وجل-، وتجاه مخلوقات ربه، وتجاه كتاب ربه المسطور (القرآن)، وتجاه كتاب ربه المنظور (الكون)، والتصوف هو روح هذه العبادات، وهو القلب الذي يؤديها، والبصيرة التي تدركها، والفهم الراقي الذي يحصِّل معانيها فيحسن أداءها، وهو القواعد الحسية والمعنوية التي تعطي الروح والحياة للقواعد الأكاديمية الجافة لهذه العلوم، سواء كانت علومًا دينية أو علومًا دنيوية، وكلها في النهاية علوم للإنسان ولخدمة الإنسان ولهدايته في درب الحق للوصول إلى الحق.

والعبادات -على سبيل المثال- ليست مجرد حركات تؤدَّى، ولا ألفاظًا محفوظة، ولا عادات روتينية فحسب، إنما هي عبادات غايتها الخشوع، ووسيلتها الخشوع، وروحها الخشوع، وهذا الجانب القلبي الأصلي فيها أكدته آيات القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا.

حتى الإيمانُ نفسُه من شروطه التصديقُ بالقلب والإقرار بالجوارح بعد الإقرار باللسان، والتصوف هو الذي يهتم بذلك التواصل ما بين الجانبين الظاهري والباطني من أعمال العبادات.

ولا سبيل إلى تحصيل حقيقة العلوم الظاهرية دون الاعتماد على المشاعر القلبية بالتوازي مع القواعد والأساليب العقلانية، فالعلم الذي يفتقد الخشوع -كجسد فاقد للروح- علم لا فائدة تُرجى منه، فها هم علماء بني إسرائيل حصَّلوا علمًا جمًّا، لكنه لم يتجاوز عقولهم إلى مشاعرهم ولا إلى قلوبهم، فكانوا كما قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]

وقبل أن نورد تفاصيل علاقة التصوف بفروع العلوم البحتة، نؤكد على حقيقة أن سبب الجدل الذي يقع أحيانًا بين التصوف والعلم إنما هو لخلل في التواصل بين الجانبين، فإذا تم إصلاح هذا الخلل وجدنا الجانبين في تناغم وتواصل، يكمل أحدهما الآخر

وللوهلة الأولى قد نجد تناقضًا بين التصوف والعلوم الطبيعية، فالعلوم الطبيعية الخاضعة للنتائج المعملية وأبحاث المختبرات بعيدة كل البعد عن العلوم الروحية و الميتافيزيقية، أما التصوف فهو مغرق فيما وراء الطبيعة.

لكن الحقيقة غير ذلك، فكلاهما له هدف واحد، وهو الوصول إلى الحكمةِ من وراء الخَلْق، والعلةِ من وراء الموجودات، وإدراك الأسرار الكامنة في الكائنات، وإشباع شغف الإنسان بالاطلاع الأمثل والأشمل على الكون وخالقه؛ أي الانتقال من عالم المشاهدة إلى عالم الشهود، ومن الـمُلك إلى الملكوت.

والعلوم الطبيعية ومكتشفاتها وعالمها المادي هو المرحلة الأولى للوصول إلى عالم الحقيقة، وهو الأدلة الأولى والدائمة على عظمة الخلق وقدرة الخالق.

كما أن الإسلام في تعامله مع المخلوقات -عاقلة وغير عاقلة- يهتم بالنواحي الروحية والميتافيزيقية كما يهتم بالنواحي الطبيعية، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- كان يأمر بالرفق ويتعامل به في شأنه كله حتى مع الجمادات، وها هو جذع النخلة الميت يحنُّ إليه، والجمادات في طريقه تسلم عليه.

والاكتشافات العلمية كلَّ يوم تقرب المسافة بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، وتوثق الصلة بين الفيزياء والميتافيزيقا، وتنفي كل القواعد الجامدة التي وضعها اللادينيون في العلوم الفيزيائية الطبيعية، فنظرية النشوء والارتقاء وأصل الأنواع محكوم عليها بالإخفاق والقصور من يوم ظهورها، وقانون بقاء المادة وبقاء الكتلة للكيميائي الفرنسي أنطون لافوازييه ذهبت أدراج الرياح بعد تمكن الإنسان من تفتيت الذرة، التي تفتت معها مسلمات قديمة طال النزاع فيها بين العلم والدين حول «قِدَم المادة» وبقائها وفنائها، فأثبت العلم أن ذلك كلَّه مجرد «طاقة»، وأن وجودها «عرضي» مؤقت، وليس بقديم.

واكتشاف الجينات وما تحمله من مورثات أو كروموزومات تحتوي على أسرارِ وخصائصِ الشخصية دليلٌ على عظمة الخالق سبحانه، وعلى عظمة كتابه الكريم الذي أشار إلى هذه الحقائق بشكل ميتافيزيقي، ليؤكد لنا الترابط بين العالمين المادي والمعنوي، وليؤكد الصلة بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، ولم يكن التباعد بينهما سوى قصورٍ في العلم، واحتاج اكتشافُ ذلك التقارب أو التواصل إلى مرور الأزمان المتطاولة، واكتشاف حقائق علمية لإدراك حقائق قرآنية معجزة ثابتة وكامنة وراء الألفاظ والتعبيرات القرآنية.

لكنَّ المسلمَ الحقيقي مؤمن منذ البداية بعظمة خالقه، كما أنه مقرٌّ بعجز نفسه البشرية عن فهم كل معاني هذه القدرة.

والمسلم موقن بأن المعجزات الكونية التي يتوالى ظهورها لن تنقطع، وأن تكشُّفها المستمر هو أدلة جديدة ومتجددة تناسب الزمان والمكان والعلوم والأفهام، وأن كل اكتشاف جديد يؤكد عجز الإنسان أمام صُنع الخالق وعظمته، ولا يبقى مفرٌّ له من الاعتراف بالحِكم اللانهائية وراء تلك الصنعة والعظمة، وقد أوضح ضياء باشا (كاتب وشاعر عثماني) (1829 - 17 مايو 1880))  هذا العجز البشري خير توضيح حين قال: العقل المحدود لا يطيق ولا يُدرك الغيوب والأسرار كالميزان الصغير لا يحمل ما ثقل من الأوزان

وهذا يجعل التصوف مرحلةً متقدمة وتالية للعلوم الطبيعية في بحثه عن أسرار الكون، وسعيه وراء الحكمة الكامنة في الكائنات، وها هو القرآن الكريم يلفت الانتباه في كثير من مواضعه إلى الأسرار والحكم في الكائنات، فقد قال الله -عز وجل-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت، 53]

وتشير كلمة «الآفاق» في الآية الكريمة إلى العالم الخارجي الذي يحيط بالإنسان، أما كلمة «أنفسهم» فهي تشير إلى الحِكَم والعِبَر والأسرار في بنية الإنسان المادية والروحية، ويزيل الله تعالى غفلة العباد، ويستلفت انتباههم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج، 46]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان، 38-39]

ويبين الحق تعالى في آية أخرى -بعد أن أظهر فيض قدرته واستمرارها -أنه قد خلق الإنسان مثل الكائنات الأخرى لغاية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، 115]

ففي كل ذرة من الذرات تجليات رائعة للصنعة الإلهية.

ويمتلك التصوف بفكره ومعنوياته القدرةَ على صياغة تصورٍ كلي شامل يجمع حقائق الكون الطبيعية والميتافيزيقية، ويجعل الإنسان في مركزها، ثم هو يحقق هذا التصور واقعيًا، وينقله من مستوى النظرية إلى مستوى التطبيق عبر أساليبه التربوية المعتمدة أساسًا على «ذكر الله»، ثم الرياضات الروحانية الأخرى.

هذه الرياضات التي تمنح العقل والقلب وأدوات الحس قدراتٍ أكبرَ على إدراك العلوم والحكمة من ورائها.

ثم إنَّ الكونَ كله في عين المتصوفة ما هو إلا موضع لتجلي وجود الله تعالى وأسمائه وصفاته، وما هذه المخلوقات والموجودات سوى نوع من الإبداع الفني للخالق سبحانه، وإن أبسط المشاهدات التي تتكرر أمام نواظرنا كل يوم بصورة عادية غير ملفتة تحمل في طياتها وظاهرها أعظم المعجزات الناطقة بقدرة الله تعالى والداعية إلى الإيمان العميق به -عز وجل-.

فها هي ورقة التوت الخضراء، يأكلها الغزال فيعطينا المسك، وتأكلها دودة القز فتعطينا الحرير.

وغيرها، وغيرها من المخلوقات والعطاءات، الورقة واحدة، ولكن الإبداع لا يحصى، فإذا انتقلت إلى غيره من النباتات والأوراق والأعشاب، وجدت الأصل الذي تستمد منه حياتها وغذاءها واحد: الطين والضوء، ثم تختلف ألوانها وأشكالها وطعومها وأريجها، ألا يجعلك ذلك تتوقف مندهشًا أمام إعجاز الله تعالى وقدرته وتجلياته؟!

لقد خُلق الكون نتيجة تجلي الأسماء الحسنى، مثلما تجلت في القرآن وفي الإنسان، وما من شيء في الكون خُلق عبثًا، هذا ما يؤمن به أهل التصوف إيمانًا عميقًا.

لذا فالتصوف يأخذ بيد العلوم الطبيعية في بحثها عن الحِكمة الظاهرة لله سبحانه في هذا الكون، وهي ذلك التجلي؛ إذ تقف العلوم عاجزة، فلا تدرك تلك الأسرار والحِكم والمعاني، وهنا تلتقي مع التصوف الذي استطاع بالذكر والرياضة الروحانية أن يوسع مداركه، ويطور معارفه القلبية، فيكمل المسيرة في التعرف على الحكمة، وإدراك أسرار التجلي.

المراجع

كتاب العلوم البحتة في العصور الإسلامية  - أ / عمر رضا كحالة

مؤلفات الشيخ/ عثمان نوري طوباش

مصادر التراث العلمي العربي والدراسات الإنسانية والعلم الرياضي / د. ياسين خليل.

موقع ويبلي