السنة الخامسة جمادى الآخرة 1447 هـ - ديسمبر 2025 م


الشيخ. أيمن حمدي الأكبري
مَنْ عرَفَهَا اسْتَرَاحَ
الشيخ. أيمن حمدي الأكبري

يَا مَنْ طَلَبْتَ مَعَارِجَ الْأسْمَاءِ

انْظُرْ فَدَيْتُكَ أوَّلَ الْخُلَفَاءِ

وَاعْلَمْ بِأنَّ الْأمْرَ جَدُّ مَرَاتِبٌ

وَمَرَاتِبُ الْأكْوَانِ لِلإبْدَاءِ

فَالْخَلْقُ فِي عَيْنِ الشَّرِيعَةِ قَائِمُ

وَالْأمْرُ فِي عِلْمِ الطَّرِيقِ رِدَائي

فَإذَا أرَدْتَ مَعَ الشُّهُودِ تَحَقُّقًا

مِنْ غَيْرِ مَا ظَنٍّ وَلَا أهْوَاءِ

فَحَقَائقُ الْأسْمَاءِ مِنْ مِعْشَارِهَا

مِعْشَارُهُ فِي عَالَمِ الْإنْشَاءِ

كَتَنَزُّلِ الرَّحَمَاتِ جُزْءًا وَاحِدًا

فِي الْعَالَمِينَ، وَجَلَّ عَنْ إحْصَائي

جَلَّ الْمُسَمَّى أنْ نُحِيطَ بِذَاتِهِ

وَلِذَا نَظَرْتُ حَقَائقَ الْأسْمَاءِ

وَكَذَا سَألْتُكَ يَا غَنِيُّ وَنَاظِرِي

لغِنَاكَ فَانْظُرْ أفْقَرَ الْفُقَرَاءِ

وَحَذَرْتُ مِنْ نَفْسِ الإلَهِ فَلَمْ أزَلْ

بِصَفَاتِهِ أسْعَى لِمَحْضِ صَفَائي

فإذَا تَجَلَّى لِي نَظَرْتُ لِكَوْنِهِ

وَخَلَعْتُ كَوْنِي مِثْلَ خَلْعِ رِدَائي

الحمد لله، وبعد

فإنَّ الدِّينَ عِلمٌ لِقَوْلِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: "هَذِا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، وَهُوَ الْإسْلَامُ، وَالْإيمَانُ، وَالْإحْسَانُ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ أهْلُ هَذَا الشَّأنِ باصْطِلَاحٍ آخَرٍ فَيَقُولُون: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَعِلْمُ الطَرِيقَةِ، وَعِلْمُ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ يَكُونُ لِكُلِّ عِلْمٍ أسْرَارُهُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا خَاصَةُ أهْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَلَهُمْ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ طَرَائقُ وَوَسَائلُ.

فَمَعْرِفَةُ أسْرَارِ الشَّرِيعَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى عَالَمِ الْخَلْقِ.

وَمَعْرِفَةُ أسْرَارِ الطَّرِيقَةِ مَتَعَلِّقَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى عَالَمِ الْأمْرِ.

ومَعْرِفَةُ أسْرَارِ الْحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى حَضْرَةِ الْأسْمَاءِ.

فَأسْرَارُ كُلِّ عِلْمٍ عِبَارَةٌ عَنْ دَقَائقِه؛ وَكَثِيرًا مَا نَرَى كَلَامًا عِنْدَ أهْلِ هَذَا الطَّرِيقِ مفَادَهُ أنَّ الطَّرِيقَةَ بَاطِنُ الشَّرِيعَةِ، فَيَظُنُّ الظَّانُّ أنَّ للشَّرِيعَةِ بَاطِنًا يَعْلَمُهُ أفرادٌ مَخْصُوصون مِنْ أهل هذا الطريق وَكَأنَّهُ دِينٌ خَاصٌّ وَسِرِّيٌ. غَيْرَ أنَّ الْمَقْصُودَ بِخِلَافِ مَا يَفْهَمُهُ مَنْ لَا يَعْرِف اصْطَلَاحَهُم. أمَّا مَنْ عَرَفَ لسانَهُم فَيعْلَمُ أنَّ مَنْ تَحَقَّقَ بالشَّرِيعَةِ فَقَدِ التزَمَ الطَّرِيقَةَ، وَاسْتَوى الْبَاطِنُ عِنْدَهُ والظَّاهِرُ، ومَنْ لَزَمَ الطَّرِيقَةَ فَقَدْ حَقَّقَ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ.

فَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ يَتَحَصَّلُ بِالمُذَاكَرَةِ فِيمَا أنْزَلَهُ الْحَقُّ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ، أمَّا عِلْمُ أسْرَارِ الشَّرِيعَةِ فَلَا يَكُونُ بِمَحْضِ تِلْكَ الْمُذَاكَرَةِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلَى عَالَمِ الْخَلْقِ، لِذَا يَقَعُ كَثِيرٌ مِنْ طَالِبي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِي إسَاءَةِ فَهْمِهَا وَتَطْبِيقِها مَتَى لَمْ يُمْعِنُوا النَّظَرَ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ، أو زَهَدُوا فِي النَّظَرِ إلَيْهِ، إذْ إنَّ الشَّرِيعَةَ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ الْعَالَمِ.

ثُمَّ إنَّ عِلْمَ الطَّرِيقَةِ ظَاهِرٌ فِي آدَابِهَا وَأصُولِهَا، وَللطَّرِيقَةِ أسْرَارٌ لَا يُحَصِّلُهَا إلَّا مَنْ نَظَرَ إلَى عَالَمِ الْأمْرِ الَّذِي هُوَ مَلَكُوتُ الله، وَعَلِمَ تَنَزّلَ الْمَلَائكَةِ وَتَصَوَّرَهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أمْثَالِ تمُثل جبريل الأمِينِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ. أعْنِي أنَّ ظَاهِرَ الطَّرِيقَةِ مَعْلُومٌ أيْضًا كَظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وأنَّ العَالِمَ بأسْرَارِ الطَّرِيقَةِ هُوَ الشَّخْصُ النَّاظِرُ المُشَاهِدُ أو المُتَعَلِّقُ بِعَالَمِ الْأمْرِ، وَأرْوَاحِ الْأكْوَانِ، وَهَذا التَّعَلَّقُ، وَتِلْكَ المُشَاهَدُ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِنُورِ الْإيمَانِ الَّذِي يَقْذِفُهُ الله فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ.

وَكَذَلِكَ لِلْحَقِيقَةِ عِلْمٌ، وَقَدْ يَعْلَمُ كُلُّ مَرْبُوبٍ أنَّ التَدْبِيرَ لِلرَّبِّ تَعَالَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ ظَاهِرَ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ عُلُومِ الْحَقِيقَةِ التي تُعرَفُ مبادئهَا بطريقِ السمْعِ والنَّقلِ، غَيْرَ أنَّ الاطِّلَاعِ على عِلْم الْحَقيقَةِ والتَّمَكُّن مِنْ دقائقهِ وَأسْرَارِهِ مُتَوَقِّفٌ حُصُولُهُ عَلَى النَّظَرِ إلَى حَضْرَةِ الأسْمَاءِ الْإلَهِيَّةِ، وَأحْكَامِهَا فِي الْعَالَمِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْقَوْمِ بِعِلْمِ الْأسْمَاءِ، وَعِلْمِ الْحَقائقِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالله الَّذِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ عِلْمٍ. وَلِذَا دَارَ أهْلُ الطَّرِيقَةِ؛ الباحثون عَنِ الحَقيقَةِ فِي فَلَكِ الْإحْسَانِ، وَهُوَ أنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ، أوْ أنْ تَرَى أنَّهُ يَرَاكَ، فَإنَّ حَضْرَةَ الْأسْمَاءِ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ.

فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَنْ عَرَفَهَا اسْتَرَاحَ

ثُمَّ إنَّ مَعْرِفَةَ الْمُسَمَّى سُبْحَانَهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لِذَاتِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هِيَ هُوَ الْإطْلَاقُ عَنْ التَّقْييدِ وَالْإطْلَاقِ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَبْلُغُهُ الْوَصْفُ، وَلِذَا قِيلَ إنَّ الجَهْلَ بِالذَّاتِ الْإلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْ جَميعِ الْأسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ والنُّعُوتِ وَالنِّسَبِ وَالْإضَافَاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالْأكْوانِ المُظْهِرَةِ لهاَ؛ هُوَ عَيْنُ الْإيمَانِ، وَأنَّ الْكُفْرَ عِبارَةٌ عَنِ الْجَهْلِ بِألُوهِيَّتِهِ تَعَالَى.

فَبَانَ لَنَا أنَّ مُتَعَلَّقَ عِلْمِ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ تَعَالَى هُوَ الْعِلْمُ بِالْألُوهِيَّةِ أوَّلًا، وَهَذَا عَيْنُ الْإيمَانِ، وَالْألُوهِيَّةُ رُتْبَةُ الذَّاتِ الَّتِي تُدْرَكُ وَلَا تُشْهَدُ؛ أعْنِي الْألُوهِيَّةَ.

وَمَتَى عَلِمْنَا ذَلِكَ وَاسْتَحْضَرْنَاهُ حَصَلَتْ لَنَا نِسْبَةٌ مِنْ نِسَبِ الْعِلْمِ بِالله.

وَالْعِلْمُ بالله عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ مُشَاهَدَةٍ أوْ ذَوْقٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَعْرِفَة وعَلَى صَاحِبِهِ العَارِف.

وَالْمَعْرِفَةُ وَإنْ كَانَت مِنْ وَجْهٍ مُرَادِفَةٌ لِلْعِلْمِ، إلَّا أنَّهَا مِنَ الْوَجْهِ الْأمْثَلِ ضِدُّ النَّكِرَةِ، فَغَايَةُ إدْرَاكِ الْخَلْقِ لِلْحَقِّ تَعَالَى هِي الْمَعْرِفَةُ الْمُضَادَّةُ لِلإنْكَارِ.

ثُمَّ إنَّ مَعْرِفَتَنَا بِهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ إلَّا عَنْ شُهُودٍ كَمَا سَبَقَت الإشَارَةُ إلَيْهِ، أوْ عَنْ تَعْرِيفٍ إلَهِيٍّ مَبْنِيٍّ علَى التَّصْدِيقِ بِمَا عَرَّفَنَا الْحَقُّ تَعَالَى مِنْ أسْمَائهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى يَدِ رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ.

فإذَا اسْتَحْضَرْنَا بَعَضَ الْقَواعِدِ الْأصْلِيَّةِ حَتَّى تَجْتَمِعَ لَنَا زَادَ إدْرَاكُنَا لَهُ تَعَالَى، فَمِنْ ذَلِكَ أنْ نَعْلَمَ:

أنَّ الْعِلْمَ يَعْنِي الْإحَاطَةَ بِمَا يَصِحُّ الْإحَاطَةَ بِهِ، وَلِذَا وَقَفَ أكَابِرُ الْعَارِفِينَ أعْمَارَهُمْ عَلَى مَقَامِ الْحِيرَةِ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِ سُبْحَانه.

ومِن ذَلِكَ:

أنَّ الاسْمَ نِسْبَةٌ مِنْ نِسَبِ الذَّاتِ دَالَةٌ عَلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الذَّاتِ أوْ أكْثَر.

ومِنه أيضًا:

أنَّ الكَلامَ عِبَارَةٌ عَنْ صُورَةِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ أوْ نِسْبةٍ مِنْ نِسَبِ عِلْمِهِ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ أنَّ إدْرَاكِ الْعَبْدِ لِكَلامِ الله سَبَبٌ مِنْ أسْبَابِ إدْرَاكِهِ لِوَجْهٍ أوْ وُجُوهٍ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى.

وَمِنْهُ:

أنَّ عِلْمَ اللهِ الْقَدِيم باِلعَالَمِ هُوَ عَيْنُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ بالله تَابعٌ لِعِلْمِهِ بِمَا أوْدَعَهُ الْحَقُّ تَعَالَى فِي كَلَامِهِ وَكَلِمَاتِهَ مِنْ عِلَمِهِ بِالْعَالَمِ وَإعْلَامِهِ لَنَا بِأسْمَائهِ، وَأعْنِي بِكَلَامِهِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَبَكَلِمَاتِهِ الْأكْوَانَ الْمُتَكَوِّنَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾، وكذلك عِلْم العَبدِ بِنَفسِهِ فإنَّها مِن الأكوانِ.

ثُمَّ مِمَّا يَنْبَغِي اسْتِحضَارُهُ مِنَ الْأصُولِ أيْضًا:

أنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ بِأسْمَائهِ تَعَالَى عبَارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِنِسَبِهِ الَّتِي أبْرَزَهَا تَعَالى مِنْ كَنْزِهِ.

فَمَنْ اسْتَحْضَرَ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ وأمْثَالَهَا ثُمَّ اسْتَغْرَقَ بِكُلِّيَّتِهِ فِي تَصْفِيَةِ قَلْبِهِ بِالذِّكْرِ حَتَّى قَابَلَ حَضْرَةَ الْمَذْكُورِ بِمِرَآةٍ قَلْبِيَّةٍ مَجْلُوَّةٍ، انْطَبَعَ فِيهَا مَا شَاءَ الْحَقُّ مِمَّا تَجَلَّى لَهُ بِهِ، فَإنْ عَرَفَهُ بِنِسْبَةٍ أوْ نِسَبٍ وَشَاهَدَهُ بِوَجْهٍ أوْ أوْجُهٍ فَقَدْ أدْرَكَ الْحَقَّ مِنْ حَيْثُ مَرْتَبَةٌ أوْ مَرَاتِبُ، وَعَلِمَ أنَّ إدْرَاكَهُ مُقَيَّدٌ، وَالْحَقَّ تَعَالَى مُطْلَقٌ عَنِ التَّقْييدِ.

وَإنْ قَابَلَ الْعَبْدُ حَضْرَةَ رَبِّهِ بِذَاتٍ أحدِيَّةٍ جَمْعِيَّةٍ فَقَدْ شَهَدَهُ مُطْلَقًا عَنْ كُلِّ وَصْفٍ أوِ اسْمٍ أوْ حُكْمٍ.

غَيْرَ أنَّ الْآلَةَ الْبَشَريَّةَ لَا تَقْوَى عَلَى حِفْظِ مَا شَهَدَ وَتَقْييِدِ مَا أدْرَكَ.

ومَتَى شَهَدَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ فَقَدْ أدْرَكَ الْحَقَّ تَعَالَى فِي مَرْتَبَةِ إطْلَاقِهِ، وَعَلِمَ أنَّهُ مُطْلَقٌ عَنِ الْإطْلَاقِ، إذِ الإطْلَاقُ صُورَةٌ مَعْقُولَةٌ قَدْ يَضْبِطُهَا الذِّهْنُ الَّذِي عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ مَا أدْرَكَ وَإدْرَاكِ مَا شَهدَ، فسبَّحَ ربَّ العزَّةِ عمَّا يصفه به الواصِفُون.