السنة الخامسة - ذو الحجة 1447 هـ - مايو 2026 م


الشيخ. أيمن حمدي الأكبري
المعدوم الممكن
الشيخ. أيمن حمدي الأكبري

الشيءُ شيئان معدومٌ وموجودُ

إذ هكذا قد بدا وأنبأ الجودُ

‎فالشيءُ قد كان تعني عندنا سلفاً

أو آنِفاً أنهُ في الكونِ مشهودُ

‎فانظر لشيئيةٍ في الكونِ ما ظهرت

واعلم بأنَّ الذي؛ بالخيرِ ممدودُ

‎فإن بدا ما بدا والحُسنُ مَظهرُهُ

فالحقُّ في الخلقِ مشهودٌ ومورودُ

‎وإن بدا ما بدا والقُبحُ منظرُهُ

فهكذا الأعمالُ مقبولٌ ومردودُ

‎بل كلُّ وجهٍ بدا من حيثُ قابِلُه

وكلُّ شيءٍ لهُ في السرِّ توحيدُ

‎فاجعل إرادةَ وجه الله في عملٍ

ولا عليك فخلقُ الفعلِ تجديدُ

‎أما الإرادةُ مِن ربي فغايتها

جودٌ على الشيء، معدومٌ فموجودُ

‎قال تعالى: "إنما أمرُهُ إذا أراد شيئاً أن يقول لهُ كُن فيكون" فأشار سبحانه بـ"هاء" "لهُ" إلى الشيء قبل إيجاده، وهو المسمى بــ "شيئية المعدوم الممكن"، فهذه الشيئية المعدومة في العالَم، الموجودة في علم الله القديم، هي عين ما توجهت عليه إرادته سبحانه، وتوجه عليها القول، إذ القول في حق الله تعالى لا يتوجه إلا إلى معدوم، أما الكلام فيتوجه به الحق تعالى على موجود، كما قال جل شأنه: "وكلم الله موسى تكليمًا"، فبقول "كن" أبرز سبحانه وتعالى الأعيان الثابتة في حضرة علمه، من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وهذا عين الجود، وكذلك يُبرز سبحانه وتعالى شئونها وأحوالها وأفعالها وأقوالها وكل ما يصدر عنها مما هو في استعدادها بمقدار على الدوام، فلا تجعل فكرك يصور لك أن بروز الشيء المعين إلى الوجود يعني تحول العين الثابتة عن ثبوتها، ولا انتفاء صفة العدم عنها، فهذا محض وهم، ولذا أشار بعض العارفين إلى أن العالم كله عدم، ولم يقف كل أحد على نسبة الأكوان إلى العدم، والتي عن علم هؤلاء العارفين بها نسبوا الأكوان إليها، فتصوروا أن الأصل كان عدمًا ثم صار وجودًا، وليس الأمر كذلك، بل لكل كون نسبة إلى الوجود ونسبة إلى العدم، فنسبته إلى العدم حاصلة من رقائقه الممتدة بينه وبين عينه الثابتة، ونسبته للوجود عبارة عن فيض نور موجده وخالقه، وخالق أفعاله على ما شاء إيجاده مما أودعه في شيئيته الأصلية.

 فإذا علمنا هذا علمنا أن الإرادة أيضًا لا تتعلق إلا بمعدوم؛ بقصد إيجاده ثم يكون إبرازه بحسب يد القدرة، وفائدة علم هذا، أن يعلم العبد أنه هكذا يكون الأمر في كل شخص يريد إبراز شيءٍ، فهذا البروز عندنا قد يعبر عنه من حيث الفكر، بانتقال الشيء من حال وجوده بالقوة في عقل أو علم الشخص منَّا، إلى حال وجوده بالفعل أو تعيّنه، فلابد إذًا لبروز الشيء من ذات لها إرادة وقدرة، فتتوجه إرادة ذلك الشخص على صورة الشيء في علمه، كما توجهت إرادة الحق على شيئية المعدوم الممكن، فهذه عندنا عبارة عن الصورة المعقولة، لا المحسوسة لعدم وجودها في علم الحس، والمعبر عنها بوجود الشيء بالقوة في ذهن الشخص، كما سبق واتضح لنا، ثم تتوجه قدرته على المادة التي يتكون عنها ذلك الشيء، وقد عبَّر الشرع عن تلك المادة في حق العالم بالعماء، وقد يسميها البعض هباءً، وينسب ذلك الاسم من هذا الوجه للإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، وقولي: "من هذا الوجه"؛ أعني من وجه السبق، لكون الهباء قد ورد في القرآن من وجه آخر هو وجه الخاتمة، قال تعالى: "فكانت هباءً منبثًّا"، وهي عند الحكماء الهيولى الأولى، ولا نطيل في تعريفها لكون القصد الأصيل في كلامنا ههنا أن نوضح أن القصد من توجه الإرادة الإلهية على تلك الشيئية، إنما إخراجها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ليتبين لنا أن أمره تعالى خيرٌ محض، وهو المعبر عنه بحضرة الجود، وربما احتاجت هذه المسألة لمثال نوضحها به، فنقول: هب أن شخصاً أحبَّ أن يصنع تمثالاً، فلابد حينئذٍ أن تتوجه إرادته على صورة التمثال في ذهنه، وأن يُعمل تلك الإرادة في اختيار المادة التي يكون عنها ذلك التمثال، ثم يُعمل قدرته في المادة ليبرز لنا التمثال، ثم هب أن ذلك الشخص قصد بصناعة ذلك التمثال أن يُعبد، فهل يمنع قصده الحجارة أن تسبح بحمد الله؟ وقد قال تعالى: "وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، وفائدة ذلك عندنا أن نعلم أن الخير جوهرُ الوجود، أما الشر فعارضٌ، وكذلك القبح عارض في الشيء، كما نجد في كلام الفقهاء من قولهم بأن الأصل في الأحكام الإباحة، ولابد للمنع من نص. فمن عَلم صحة ما تقدّم جعل باله مع خلوص إرادته في كل عمل لوجه الله، ثم له تعالى أن يخلق ذلك العمل بتوفيق الشخص إليه، أو يحبسه عنه إن لم يُرد سبحانه خلق ذلك الفعل عن نفس الشخص، أو إن لم يُرده مطلقاً، لقوله تعالى: "والله خلقكم وما تعملون"، ولنجعل في بالنا أيضاً أن من أراد بعمله خيراً، ولم يوفقه الله في إبرازه، فله أجر ما نوى، فإن وفّقه سبحانه فنِعم، وأن من أراد شراً، ولم يقدره الله عليه فقد رحمه، وإن حصل فقد خذله، وإنما يكون الجزاء من الحق بحسب موافقة العبد للأمر الإلهي أو مخالفته، فإن الحقَّ تعالى قد بيّن للناس بالتنزيل ما يجب علينا من طاعة أمره، وأخفى عنهم إرادته في الخلق، بحيث لا نطّلع على إرادة الله تعالى في شيءٍ قبل كونه، فلا ننظر إلى الموافقة أو المخالفة إلا بحسب أمره، لأننا لا نعلم إرادته في الشيء إلا بعد حصولها، ولا يكون من إرادتنا مع إرادته إلا المصادفة في عرفنا، وهي التوفيق بلغة أهل الذوق، وأن التوفيق والخذلان بحسب إرادة الشخص منَّا، والله يقول الحقَّ وهو يهدي إلى سواءِ السبيل.