ظهور المهدي حق (10)
السيد عبد الله بن الصديق الغماريالمسألة الرابعة : لعل بعض الجهلة الأغمار ، ممن لا يميز بين القاع والدار ، ولا بين النافع والضار ، يحتج لإنكار ما تواتر من ظهور المهدي ، بحديث لا مهدي إلا عيسى بن مريم ، فدحضاً لشبهته وزيادة في إقامة الحجة عليه نقول :
هذا الحديث خرجه ابن منده فى فوائده ، والقضاعي في مسند الشهاب من طريق الحسن بن يوسف الطرائفى، وأحمد بن محمد بن عمرو المدينى ح وخرجه أبو يوسف الميانجى من طريق ابن خزيمة وابن أبي حاتم وزكريا الساحى ح وخرجه الحاكم من طريق عيسى بن عبد الله بن مسلم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب ح، خرجه ابن ماجه في سننه سبعتهم قالوا : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا محمد بن إدريس الشافعي ثنى محمد بن خالد الجندى عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ، ولا مهدى إلا عيسى بن مریم ، تفرد به ابن ماجه دون سائر الستة ، وقال الحاكم في المستدرك عقب روايته له ما نصه : إنما ذكرت هذا الحديث تعجبًا لا محتجًّا به في المستدرك على الشيخين رضى الله عنهما فإن أولى من هذا الحديث ذكره فى هذا الموضع حديث سفيان الثورى وزائدة وشعبة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمى واسمُ أبيه اسمَ أبى فيملأ الأرضَ قسطًا وعدلًا كما ملئت جَوْرًا وظلمًا اهـ كلامه فأنت ترى الحاكم يصرح بأنه لم يخرج الحديث احتجاجًا على الشيخين ، واستدراكًا عليهما ، وذلك لأنه باطل موضوع ، ما نطق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا رواه أنس بن مالك ولا الحسن البصرى ، والدليل على هذا أمور .
۱ - أن الحديث تفرد به محمد بن خالد الجندى وهو مجروج عند المحدثين على اختلاف عباراتهم في جرحه ، فقال أبو حاتم وأبو الحسين الكبرى والحاكم وابن الصلاح: إنه مجهول وقال الأزدى : منكر الحديث وقال ابن عبد البر متروك ، وتفرد بتوثيقه ابن معين فرد عليه المحدثون ذلك ولم يقبلوه منه قال الحافظ أبو الحسين الآبرى: وإن وثقه يحيى بن معين فهو غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العِلم والنقل وقد اختلفوا فى إسناد حديثه هذا اهـ .
۲ - أن الحديث ورد من طريق الجندى ليست فيه تلك الزيادة ، أعنى لا مهدى إلا عيسى بن مريم فخرجه الطبراني في الصغير والحاكم في المستدرك من طريق مبارك بن سحيم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يزداد الزمان إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ، فدل هذا الطريق على أن تلك الزيادة من وضع الجندى وافترائه، وقد فعل مثل هذا فى حديث شد الرحال المخرج فى الصحيحين ، حيث زاد فيه زيادة مكذوبة قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد ، روى محمد بن خالد الجندى عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا تعمل الرحال إلى أربعة مساجد مسجد الحرام ومسجدى ومسجد الأقصى ومسجد الجند ، قال ابن عبد البر : محمد بن خالد متروك والحديث لا يثبت اهـ . فبان من هذا الحديث من حديث لا مهدى إلا عيسى أن الجندى كذاب.
3- أن محمد بن خالد الجندى اضطرب فى هذا الحديث فتارة رواه عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس كما تقدم، وطوراً رواه عن أبان بن عياش عن الحسن مرسلًا، قال صامت بن معاذ : عدلت إلى الجند مسيرة يومين من صنعاء فدخلت على محدث لهم فوجدت هذا الحديث عنده عن محمد بن خالد الجندى عن أبان بن عياش عن الحسن مرسلاً قال البيهقي : فرجع الحديث إلى محمد بن خالد الجندى ، وهو مجهول عن أبان بن عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منقطع، قال البيهقى والأحاديث في المستدرك فى التنصيص على خروج المهدى أصح البتة اهـ .
٤ - أن رواية أبان بن صالح عن الحسن منقطعة لأنه لم يسمع منه كما قال الحافظ ابن الصلاح في أماليه
5- أن فى الحديث انقطاعًا أيضاً بين يونس بن عبد الأعلى والشافعي ، قال الذهبي في ترجمة الجندى من الميزان : حديثه : لا مهدى إلا عيسى، وهو حديث منكر أخرجه ابن ماجه ووقع لنا موافقة من حديث يونس بن عبد الأعلى وهو ثقة تفرد به عن الشافعي فقال في روايتنا : عن الشافعى هكذا بلفظ عن وقال فى جزء عتيق بمرة عندى : حدثت عن الشافعى، فهو على هذا منقطع على أن جماعة رووه عن يونس قال حدثنا الشافعى والصحيح أنه لم يسمعه منه اهـ . قلت وهذا هو الحق فإن الشافعى أجل من أن يروى ذلك الحديث وقد تكلم أهل الحديث فى يونس بن عبد الأعلى - مع أنه ثقة من رجال مسلم - بسبب تفرده بذلك الحديث عن الشافعى فذكره الذهبي في الميزان - وهو خاص بمن تكلم فيهم - وقال : وثقه أبو حاتم وغيره ونعتوه بالحفظ إلا أنه تفرد عن الشافعى بذاك الحديث لا مهدى إلا عيسى بن مريم وهو منكر جداً اهـ وقال فى تذكرة الحفاظ مثل ذلك ، وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قال مسلمة بن القاسم : كان يونس بن عبد الأعلى حافظاً وقد أنكروا عليه تفرده عن الشافعى بحديث لا مهدى إلا عيسى وذكر الحافظ المزى في تهذيب الكمال عن بعض الحفاظ أنه رأى الشافعى فى المنام وهو يقول كذب على يونس بن عبد الأعلى ليس هذا من حديثي اهـ .
٦ – ما ذكره شقيقنا السيد أحمد وهو : أن المهدى لم يأت ذكره إلا من جهة الشارع فكيف يخبر عن أمر أنه سيقع - وهو الصادق الذى لا ينطق عن الهوى - ثم ينفيه، والأخبار لا يتصور وقوعُها على خلاف ما أخبر به الصادق المصدوق ونفي المهدى يلزم منه وقوع الخبر على خلاف ما أخبر به أولاً من وجوده واللازم باطل ، وهذا مما قرروا به أن النسخ لا يدخل الأخبار التى هى من هذا القبيل، وهذا متفق عليه بين أهل الأصول قال الزركشي : إن كان مدلول الخبر مما لا يمكن تغيره بأن لا يقع إلا على وجه واحد كصفات الله تعالى وخبر ما كان من الأنبياء والأمم وما يكون من الساعة وآياتها كخروج الدجال فلا يجوز نسخه بالاتفاق كما قاله أبو إسحاق المروزى وابن برهان في الأوسط لأنه يفضى إلى الكذب اهـ . فإن من هذا أن الحديث مكذوب ، موضوع ، ومختلق مصنوع لا يجوز لأحد أن يذكره فى مقام الاحتجاج أو يعارض به ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث المهدى فمن فعل ذلك فليتبوأ مقعده من النار أعاذنا الله منها بمنه
المسألة الخامسة : ذكر القرطبي وابن العربي الحاتمي وجماعة أن المهدى يجىء من ناحية المغرب ويبايع بمكة ولم نقف على ذلك في شيء من كتب الحديث إلا أني وجدت في بعض الآثار أن أهل المغرب يبعثون له أربعة آلاف رجل يدعونه إليهم بعد مبايعته
المسألة السادسة : سألنى فاضل يسمى السعيد عبد الرحمن تمورجى بأول السبتية عن أشياء تتعلق بالمهدى لاستشكاله إياها .
(1) إذا كان المهدى سترضى عنه جميع الأمة أو العالم جميعاً ويكونون فى أمان واطمئنان ولو فى آخر يوم من الدنيا فما فائدة المسيح ونزوله فى زمنه إذا كان الأمر كذلك والرسول عليه الصلاة والسلام يقول : (رحم الله أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها)
والجواب : أن فائدة نزول عيسى عليه السلام قتل الدجال ودفع حصاره عن المهدى فقد ورد فى الحديث أن الدجال يحاصر المهدى وأتباعه بيت المقدس محاصرة شديدة يشتد عليهم فيها الحال حتى يضطروا إلى أن يأكلوا من أوتار قسيهم وبينما هم على ذلك ينزل عيسى عليه السلام، فلما يراه الدجال يذوب كما يذوب المِلح فيقول له عيسى: اصبر فإن لى فيك ضربة لن تفوتنى منك فيضربه بالسيف ويتفرق أصحابه لما يرونه قتل وينفك الحصار عن المسلمين ، هذه فائدة نزول عيسى عليه السلام ، والحديث المذكور فى السؤال لم يرد بذلك اللفظ بل ورد بلفظ (لن تهلك أمة أنا في أولها والمهدي في وسطها وعيسى بن مريم في آخرها) وقد خرجناه في أحاديث المهدى.
(۲) إذا كان عيسى آخرها بمقتضى هذا الحديث فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم تختم أمتى بالمهدى كما فتحت بنا .
والجواب : لفظ الحديث هكذا : عن على عليه السلام قال : قلت: يا رسول الله أمنا آل محمد المهدى أم من غيرنا؟ قال : لا بل منا، بنا يختم الله كما بنا فتح الحديث. ومعناه أن الله كما فتح ظهور الدين بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم مختم ظهوره بالمهدى فهو خاتم لظهور الدين لا للأمة بل الأمة تبقى بعده مدة ولكن الدين لا يظهر بعده زيادة على مظهر فى وقته فافهم.
(۳) هل فى زمن المهدى يكون العالم أجمع على دين واحد (يعنى الإسلام) وتقوم القيامة على ذلك الدين ، كما قال الرسول (ص)[كذا في السؤال] لو كان آخر يوم من الدنيا لأطال الله هذا اليوم حتى يأتى المهدى من أمتى؟
والجواب : لا يكون العالم زمن المهدى على دين واحد بل يكون فيه المسلم وغيره كما هو الحال الآن وقبل الآن غير أنه يأخذ الجزية ممن لم يسلم كما كان الحال فى الصدر الأول وحديث (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتى) الحديث ليس معناه أن المهدى يكون عند آخر الزمان بحيث تقوم عليه الساعة كما قد يتوهم، و إنما معناه أن ظهور المهدى حق لا يمكن أن يتخلف حتى لو فرض أنه لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يظهر فيه وهذا لا يقتضى تأخره إلى قيام الساعة كما لا يخفى هذا ؛ وإلى أرشد السائل ألا يرمز إلى الصلاة به (ص) كما فعل فى السؤال فإن ذلك لا يكفى فى الخروج عن عهدة الأمر بالصلاة عند ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، زيادة على ما فيه من الإخلال بالتعظيم ولا تغتر بمن يفعل ذلك ممن ينتمى إلى العلم والصلاح فإن أولئك قليلو الأدب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(٤) إذا كانت القيامة تقوم على المهدى وعيسى ودين الإسلام على حسب ما ذكرنا فما معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الإسلام غريب وكما بدأ يعود؟
والجواب : تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، وهو يشير إلى وقتنا هذا فإن الإسلام فيه غريب بمعنى الكلمة وسيظل كذلك ، بل ستزداد غربته إلى أن يأتى المهدى فيظهر الإسلام ، ويحيى العدل، وتزول الفتن والإحن بين المسلمين ، ويبقى الحال كذلك مدة المهدى ومدة عيسى عليه السلام ثم بعد ذلك تأتى ريح طيبة تأخذ نفس كل مؤمن ؛ فلا يبقى على الأرض من يعرف الله أو يذكره ، وإنما يبقى أقوام يتهارجون كما تتهارج الحُمر فعليهم تقوم الساعة كما جاء فى صحيح مسلم وغيره والله أعلم؟
انتهى