السنة الخامسة جمادى الآخرة 1447 هـ - ديسمبر 2025 م


السيد عبد الله بن الصديق الغماري
ظهور المهدي حق (9)
السيد عبد الله بن الصديق الغماري

انتهينا في المقال السابق من ذكر الآثار ، ووعدنا أن نذكر مسائل متممة لمبحث المهدى، وهذا إنجاز وعدنا

المسألة الأولى: يمكننا أن نلخص من الأخبار التي ذكرناها ، وغيرها ، أوصاف المهدى وأحواله على الوجه الآتى:

اسمه وكنيته ونسبه:

اسمه محمد بن عبد الله ، وورد في حديث خرجه الروياني عن حذيفة مرفوعًا أن اسمه أحمد وهو حديث ضعيف، ويجوز أن يكون بعض الرواة حرَّف اسمه غلطًا، وكنيته أبو عبد الله باتفاق الروايات وهو من ولد الحسن بن على عليهما السلام . وورد في حديث عثمان وعمار بن ياسر والعباس وأم الفضل رضى الله عنهم أنه من ولد العباس بن عبد المطلب وللحُفَّاظ في ذلك مسلكان:

۱ - ترجيح الأحاديث المصرحة بأنه من ولد الحسن على الأحاديث المصرحة بأنه من ولد العباس لصحة تلك وضعف هذه ، وهذا مسلك الحافظ أبي الحسن الدار قطنى

٢- مسلك الجمع وفيه طريقان

أ - حمل الأحاديث المصرحة بأنه من ولد العباس على أن للعباس عليه ولادة من قبل الأم فيكون على هذا حسنيَّ الأب عباسيَّ الأم ، وهذا طريق الحافظ ابن حجر

ب - حمل الأحاديث المصرحة بأنه من ولد العباس على المهدى العباسى والتى فيها أنه من ولد الحسن على المهدى المنتظر ، وهذا طريق بعض المتأخرين ، وهو ضعيف ، لأن الأحاديث التي صرحت بأنه من ولد العباس ، وصفته بأوصاف لا تنطبق على المهدى العباسي، وإنما تنطبق على المهدى المنتظر .

سبب تلقيبه بالمهدى:

لم نجد فى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا ، وأعلى ما روينا فيه أثران

 (۱) عن عبد الله بن شوذب قال : إنما سمى المهدى لأنه يهدى إلى جبل من جبال الشام يستخرج منه أسفار التوراة ، يحاج بها اليهود فيسلم على يديه جماعة من اليهود خرجه الحافظ الداني في سننه

(۲) عن كعب بن علقمة قال : إنما سمى المهدى لأنه يهدى إلى أمر قد خفى يستخرج التابوت من أرض يقال لها أنطاكية ، خرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن ، و بين الأثرين تناف بحسب مفهوم الحصر في كل منهما إلا أن يجمع بينهما مجمل ما فيها من الحصر، على ما بلغ إليه علم كل من صاحبى الأثرين ويكون لكل من السببين دخل فى تلقيبه بالمهدى

أوصافه الخلقية ولبسه:

هو رجل طويل القامة آدم (أى أسمر )، وجهه كالكوكب الدرى فى الحسن والوضاءة، أجلى الجبهة ، أقنى الأنف، أكحل العينين واسمها، أزج أى دقيق الحاجبين طويلها، أبلج أى مفروق الحاجبين غير مقرونهما، في خده الأيمن خال أسود، كث اللحية ، براق الثنايا ، في إحدى كتفيه قطعة لحم سوداء، عليها شعر مجتمع كهيئة الخاتم ، أذيلُ الفخذين أى منفرجهما ، بعيد ما بينهما ، يلبس العباءة القطوانية ، وهى عباءة بيضاء قصيرة الأهداب.

مولده ومحل مبايعته:

يولد بالمدينة المنورة، وينشأ بها ، وقبل مبايعته بقليل يحصل قتال كبير بين جيش السفياني، وأهل المدينة عند أحجار الزيت ، وتكون العقبة على أهل المدينة فيخرج المهدى في جماعة هاربين إلى مكة ، ثم يأتى ناس من أقطار شتى لمبايعته فيستخرجونه من بيته و يبايعونه بين الركن والمقام وهو كاره.

جيشه وطلائعه وحروبه:

 بعد أن تتم البيعة للمهدى يخرج من مكة فى ثلاثمائة وبضعة عشر نفرًا قاصدين مقاتلة السفياني بالشام ، ويخرج شعيب بن صالح التميمي من خراسان فى ثلاث رايات ، تحت كل راية خمسة آلاف يوطيء البيعة للمهدى، و يخرج الهاشمى من الرى فى جماعة، ويخرج أهل الطالقان والكوفة واليمن وتونس ، فأما شعيب بن صالح والهاشمى فيلتقيان باصطخر ، وتقع بينهما وبين جيش السفياني ملحمة عظيمة حتى تخوض الخيل في الدماء وينهزم جيش السفياني، وأما باقي الجيوش فيجتمعون بالمهدى في طبرية ويبايعونه، وتقع هناك مقاتلة بين المهدى والسفياني ينهزم إثرها السفياني فيأسره المهدى؛ و يذبحه عند بحيرة طبرية إلى جانب شجرة هناك ، ويغنم غنائم كثيرة ، تسمى غنيمة كلب لأن جيش السفياني من كلب ، ثم يبعث المهدى الجيوش إلى الآفاق ويذهب هو إلى أنطاكية فيقيم بها مدة يستريح من تعب القتال، ثم يؤم القسطنطينية ويحاصرها مدة ، تم يفتحها الله عليه و يغنم منها غنائم فبينما جيشه يقتسم الغنائم إذ جاءهم الخبر أن الدجال ظهر فيذهبون لقتاله فيحاصرهم الدجال ببيت المقدس، ويشتد عليهم الحال مدة حتى لا يجدون ما يسد رمقهم، فبينما هم على ذلك إذ نزل عيسى عليه السلام عند صلاة الصبح فيصلى مؤتمًا بالمهدي ثم يخرج فيقتل الدجال وتتفرق أتباعه، وتشتد شوكة المسلمين حينئذ و يتولى الخلافةَ عيسى عليه السلام.

مدة خلافته وعمره:

يتولى الخلافة وهو ابن أربعين سنة فيمكث فيها سبع أو ثمان أو تسع سنين يعم فيها الرخاء والعدل وكثرة

المال، ثم يموت وعمره لا يتجاوز خمسًا وستين سنة ولم يرد تعيينُ وقت موته فى شيء من الأخبار .

وقت ظهوره وعلاماته:

أما وقت ظهوره فلم يعينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عين في بعض الآثار لكنا لم نذكرها لأنها لم تصح سندًا ولأنها لم تطابق الواقع ، وكذا عينه من تكلم على المهدى من الصوفية كابن العربي الحاتمي وعبد الحق بن سبعين وابن قسى وغيرهم ، غير أن كلامهم في ذلك رموز وألغاز لا يمكن لقارئه أن يستفيد منه شيئًا ، وأما علامات ظهوره فذكرناها في حديث أبي سعيد وأم سلمة وعائشة وأم حبيبة وعوف بن مالك وحذيفة وعلى الهلالى ، وآخر تلك العلامات وقوع ملحمة بين الحجاج بمنى حتى تسيل جمرة العقبة دماً ؛ فبعدها مباشرة يظهر المهدى :

المسألة الثانية: يتضح للقارىء مما ذكرناه من أوصاف المهدى أمران .

۱- كذب من ادعى المهدوية أو يدعيها وهو خال من تلك الأوصاف مجرد عن هاتيك العلامات ولقد أخطأ من ادعاها لأناس ماتوا، وطوى بساطهم من عالم الدنيا ، كادعاء بعض الشيعة في محمد بن على أنه المهدى ، وادعاء بعضهم في أبي الحسن العسكرى مثل ذلك (1) وقد سئل ابن حجر عن طائفة يعتقدون فى رجل مات منذ أربعين سنة أنه المهدى الموعود بظهوره فى آخر الزمان ، فأجاب بأن هذا اعتقاد باطل ، وضلالة قبيحة وجهالة شنيعة ، لمخالفته لصريح الأحاديث ثم ذكر بعضها

۲ - بطلان تأويل من تأول أحاديث المهدى على أى شخص يتصف بالهداية، وزعم أن المراد بها ليس رجلًا معينًا، وليس فى التلاعب بالحديث النبوى والإقدام على الكلام فيه بالتشهى أكثر من هذا وأقبح، فبربك أيها القارئ كيف يسوغ لنا أن نقول : إن المراد بالمهدى مطلق شخص مهدى والأحاديث تنادى بتخصيصه وأنه رجل معين واصفة لما يميزه عن غيره وصفًا لا يبقى معه أدنى شك ولا احتمال ، على أن المقرر فى علمى الحديث والأصول أن التأويل إنما يصار إليه إذا لم يمكن حمل الحديث على ظاهره كأن يترتب على حمله عليه مخالفة الواقع أو محال عقلى لاعادى أو نحو ذلك من موجبات التأويل، وأنت إذا تأملت في أحاديث المهدى وجدت أن ظهوره على الكيفية المذكورة ليس فيه ما تحيله العادة فضلًا عن العقل؛ بل هو من أمكن الممكنات فمن لم يدن طبعه للتصديق بأحاديث المهدى وأبى إلا تأويلها فليأول أحاديث الدجال فإن فيها ما تحكم العادة باستحالته بخلاف أحاديث المهدى ، وليؤول أيضا أحاديث نزول عيسى عليه السلام فإن نزول شخص من السماء غير معهود ، ولا يوافق عليه ما قرره أهل الهيئة، وليؤول أحاديث خروج يأجوج ومأجوج ، وليؤول أحاديث الإسراء والمعراج ، وليجعل الأحاديث النبوية ألعوبة بين يديه يؤول منها ما شاء على ما يقتضيه عقله الفاسد ، فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالًا بعيداً وخسر خسرانًا مبينًا

المسألة الثالثة: خرج الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد الإسكافى في فوائد الأخبار ، من طريق مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كذب بالمهدى فقد كفر، ومن كذب بالدجال فقد كفر . وقال فى طلوع الشمس من مغربها مثلَ ذلك، قال السفارینی: وسنده مرضى، قلت: كذا قال، ولكن القلب يشهد ببطلانه وما أظن مالكًا حدث بهذا الحديث فى حياته فلا بد أن يكون في سنده كذاب جعله من رواية مالك ليوهم الناس أنه صحيح والله أعلم بحقيقة الحال، ونحن في غنى عن صحة هذا الحديث بما لدينا من القواعد والمقرر عند العلماء أن من أنكر ما تواتر عن النبي صلی الله عليه وآله وسلم بعد تحققه بتواتره يكون كافراً إن لم يكن فى انكاره متأولًا تأويلًا سائغاً مقبولًا فإن كان كذلك فلا، وأحاديث المهدى ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها كل منها متواتر فمن أنكر شيئاً منها عالماً بتواتره غير متأول تأويلًا مقبولًا، فهو كافر وإلا فمبتدع ضال، كالمعتزلة فإنهم أنكروا أشياء تواترات فى السنة جاهلين تواترها أو متأولين فلذلك لم يكفرهم أهل السنة والله أعلم .. يتبع

 (1) راجع ص ٩٤ ج ۲ من حاضر العالم الإسلامى اهـ كاتبه.